شمس الدين السخاوي

105

السر المكتوم في الفرق بين المالين المحمود والمذموم

وقد أنشد سلم بن ميمون الخوّاص ( 1 ) : أرى الدنيا لِمَنْ هي في يديْهِ . . . عذاباً كلَّما كَثُرَت لديه تُهينُ المُكرمِينَ لها بصُغْرٍ . . . وتُكرِمُ كلَّ مَنْ هانَتْ عليه على أنه - صلى الله عليه وسلم - لم يقتصر في الدعاء لأنس - رضي الله عنه - بالإكثار فقط ، بل ضم إليه الدعاء بالبركة ( 2 ) الذي صدوره منه - صلى الله عليه وسلم - يشمل عدم الافتتان به بحيث يزول محذوره ، إذ الدنيا بلاء وفتنة ، ففي التنزيل : { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلاَدُكُمْ فِتْنَةٌ } [ التغابن : 15 ] . وفي الأحاديث الإلهية يقول الله - عزَّ وجلَّ - : « ابن آدم ما خلقت هذه الدنيا إلا محنة » ( 3 ) ، ولهذا قال - صلى الله عليه وسلم - : « إنَّ الله مستخلفكم فيها فناظرٌ كيف تعملون » ( 4 ) .

--> = وانظر : « الزهد » لابن أبي عاصم ( باب ما ذكر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : « من كانت همته ونيته الآخرة ؛ أتته الدنيا وهي راغمة » ( ص 62 وما بعدها ) ، و « زهد وكيع » ( رقم 359 ، 360 ) والتعليق عليه ، و « إتحاف السادة المتقين » ( 6 / 290 ) . ومعنى الحديث : إن المشتغل بالسبب معرضاً عن النظر في غيره ؛ فمشتغل بأمرٍ واحد ، وهو التعبّد بالسبب أي سبب كان ، ولا شك أن همّاً واحداً خفيفٌ على النفس جدّاً بالنسبة إلى هموم متعدّدة ، بل همّ واحدٌ وثابتٌ خفيف بالنسبة إلى همّ واحد متغيّر مُتشتِّت في نفسه ، وللكلاباذي كلام مطول حوله ، انظر : « معاني الأخبار » له ( ص 333 - 335 ) . ( 1 ) ذكر ذلك أبو نعيم في « الحلية » ( 8 / 278 ) ووقع فيه : « كلما كوت » ؛ وهو خطأ ، صوابه المثبت ، وفيه - أيضاً - : « سالم بن ميمون الخواص » ، وهو خطأ ، صوابه : « سلم » » . له ترجمة في « الجرح والتعديل » ( 4 / 267 ) ، « ميزان الاعتدال » ( 2 / 186 ) ، « السير » ( 8 / 179 ) . وقد وجدت الأبيات عند ابن أبي الدنيا في « ذم الدنيا » ( رقم 438 ) وذكر تمثّل بعضهم بها . ( 2 ) انظر : « الأجوبة المرضية » ( 2 / 745 ) ، وسيأتي كلامه في التعليق على آخر رسالتنا هذه . ( 3 ) أورده الديلمي في « الفردوس » ( 8051 ) من حديث ابن عمر . ( 4 ) جزء من حديث أخرجه بنحوه : أحمد ( 3 / 7 و 51 و 84 ) ، والحميدي ( 752 ) ، وعبد بن حميد ( 864 ) ، والترمذي ( 2191 ) ، وابن ماجة ( 4000 ) ، والنسائي في « الكبرى » ( 9269 ) ، وأبو يعلى ( 1101 و 1212 و 1213 و 1245 ) من حديث أبي سعيد الخدري ، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان ، وهو ضعيف .